Thursday, 21 August 2025

مراهقة من الشرق الأوسط



 

ذلك المساء، بعد يوم طويل ومرهق، دخلت غرفتي كمن يلتمس ملجأً من ضوضاء العالم. ألقيت بجسدي المنهك على السرير، وأمسكت هاتفي أتنقل بين الصور والمقاطع بلا اكتراث… حتى توقفت أمام مشهد من فيلم أمريكي.

فتاة مراهقة تخبر أمها بحماس أن الدورة الشهرية قد جاءت. عينا الأم تلمعان بفخر، تحتضن ابنتها وتهمس لها:

– لقد أصبحتِ امرأة.
كان المشهد احتفالًا صغيرًا بالحب والفخر، لكنه فتح بداخلي بوابة زمنية. شعرت أنني أعود إلى الثالثة عشرة، إلى يوم جاءني فيه ذلك الحدث للمرة الأولى. لم أجد حضنًا، لم أجد دمعة فرح. وجدت صمتًا، ارتباكًا، ونظرات تخشى الحديث. في بيئتي، حين تبلغ الفتاة، لا يُحتفى بها، بل تُعامل كمن ارتكب ذنبًا.
كنت طفلةً استثنائية، مملوءة بالطاقة. أركض، أغني، أرقص، أتسلق الأشجار، وأجرب كل الرياضات التي أراها في الأفلام: كرة القدم، السلة، الطائرة، التنس… حتى البيسبول تعلمته بمضرب صنعته بيدي. كنت أقلّد جاكي شان وأتعلم حركات الكاراتيه من أفلامه.
كنت أعيش طفولتي بحرية، حتى جاء ذلك اليوم… يوم العادة الشهرية.
غطّوا رأسي، وكأنهم غلّفوا جسدي كله. شعرت بثقل يشدني إلى الأرض، وكأن قيدًا حديديًا أحاط بروحي. منذ تلك اللحظة لم أركض، لم أتسلق شجرة، ولم أعد أقود الدراجة. تحولت من طفلة تطير بخفتها، إلى امرأة تمشي مثقلة بالقيود.
في مجتمعي، إذا ركضت الفتاة المحجبة أو غنّت أو رقصت، أصبحت حديث الناس. كل شيء جميل كان في داخلي دُمّر باسم الدين والعادات.
كنت أتساءل دائمًا: ماذا لو لم يُكسر جناحي؟ ماذا لو تُركت أطير؟
لكنني كبرت محمّلة بالحزن. في مجتمعي، المراهقة تُعامل كخاطئة قبل أن تخطئ، والمرأة تُقتل إذا أحبّت، إذا قالت "لا".
قصص النساء في بلادي لا تنتهي:
في سوريا، هربت امرأتان من خاطفيهما، فقتلهما أهلهما بدلًا من احتضانهم، لغسل العار. في المجتمع، يُقتل الضحية لتبرئة المغتصب.
في فلسطين، فتاة خرجت في موعد مع رجل أراد خطبتها، وعادت جسدًا بلا روح بعد أن ضربها أهلها حتى الموت.
في الأردن، أب أنهى حياة ابنته ثم جلس يشرب الشاي إلى جانب جثتها.
في العراق، رجل حرق زوجته لأنها تواصلت مع أهلها عبر الهاتف.
في اليمن، طفلة اغتُصبت، فاتهمها القاضي بإغراء مغتصبها وأطلق سراحه.
وفي دول الخليج، قُتلت فتيات ودُفنّ بصمت… كأنهن لم يعشن قط.
هذه القصص لا تعكس بشاعة الواقع؛ فالواقع أبشع من ذلك بكثير، مليء بمقابر النساء اللواتي قُتلن فقط لأنهن نساء.
كل ذلك يحدث، والمجتمع يصفّق، والحكومات تصمت، والقوانين تحمي القتلة.
عائلتي لم تذبحني، لكنها قتلت طفولتي وأنوثتي حين حرمتني من كل ما أحب لمجرد أنني أصبحت "امرأة". في الشرق الأوسط، إذا لم يُقتل جسدك، يُقتل حلمك.

أربعون عامًا مضت قبل أن أستعيد نفسي، قبل أن أخلع حجابي وألملم فتات أحلامي. أربعون عامًا لأتعلم أنني لست عارًا، بل إنسانة تستحق الحياة.

No comments:

Post a Comment

A Teenage Girl from the Middle East

That evening, after a long and exhausting day, I entered my room seeking refuge from the noise of the world. I lay down on my bed, scrolling...